
يشكّل موضوع الكسابة الرحل وإحصاء الثروة الحيوانية في المغرب أحد التحديات المركّبة التي تجمع بين الواقع الميداني القاسي ومتطلبات التدبير العصري للقطاع الفلاحي. ففي الوقت الذي تسعى فيه الدولة إلى ضبط أعداد القطيع الوطني بدقة، يواجه المربّون الرحل إكراهات حقيقية تجعل عملية الإحصاء أكثر تعقيداً من مجرد عملية إدارية.
أول ما يطرح نفسه هو طبيعة نمط العيش الرعوي القائم على التنقل المستمر بحثاً عن الكلأ والماء. هذا التنقل، الذي تفرضه التحولات المناخية وتوالي سنوات الجفاف، يجعل من الصعب على فرق الإحصاء الوصول إلى القطيع في أماكن استقراره المؤقتة. بل إن بعض الكسابة يضطرون لقطع مئات الكيلومترات بين جهات مختلفة، ما يرفع من كلفة المشاركة في عمليات الإحصاء، سواء من حيث الوقت أو المصاريف.
كما أن الإحصاء في صيغته الحالية يفرض أحياناً حضور المربّي في نقاط محددة أو الإدلاء بوثائق ومعطيات قد لا تتلاءم مع واقع الكسابة الرحل، الذين يشتغلون في ظروف غير مستقرة، وغالباً خارج المنظومة الإدارية الكلاسيكية. هذا الوضع يخلق نوعاً من النفور أو عدم الانخراط الكامل في العملية، ليس رفضاً لها، بل بسبب صعوبتها عملياً.
في المقابل، تدرك وزارة الفلاحة أن دقة المعطيات حول القطيع الوطني مسألة استراتيجية، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي، وتدبير الدعم، وتتبع الأمراض الحيوانية. لذلك، فإن تحقيق التوازن بين متطلبات الإحصاء وخصوصيات الكسابة الرحل يفرض اعتماد مقاربة أكثر مرونة وابتكاراً.
من بين الحلول الممكنة، يبرز الاعتماد على الرقمنة والتسجيل المتنقل، عبر إرسال فرق ميدانية إلى مناطق تواجد الرحل بدل انتظارهم في مراكز محددة. كما يمكن الاستفادة من التقنيات الحديثة مثل تحديد المواقع (GPS) وتطبيقات الهاتف لتتبع القطيع بشكل دوري، مع تبسيط المساطر الإدارية وإدماج الوسطاء المحليين أو التعاونيات لتسهيل التواصل.
إضافة إلى ذلك، يبقى تحفيز الكسابة عاملاً حاسماً، سواء عبر ربط الإحصاء بالاستفادة من الدعم (الأعلاف، التأمين، الخدمات البيطرية) أو من خلال تقديم تعويضات رمزية عن التنقل والمشاركة، بما يعزز ثقتهم في العملية.
في النهاية، لا يمكن النظر إلى إحصاء الثروة الحيوانية كعملية تقنية فقط، بل هو رهان على إدماج فئة واسعة من المربين الرحل في السياسات العمومية بشكل عادل وواقعي. فكلما كانت المقاربة مرنة وقريبة من الميدان، كلما كانت النتائج أدق وأكثر فاعلية في خدمة القطاع ككل.



